السيد هاشم البحراني

247

البرهان في تفسير القرآن

لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَه خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّه ) * « وهذا التقريع من الله تعالى لليهود والنواصب ، واليهود جمعوا الأمرين واقترفوا الخطيئتين ، فعظم « 2 » على اليهود ما وبخهم به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . فقال جماعة من رؤسائهم وذوي اللسن والبيان منهم : يا محمد ، إنك تهجونا وتدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها خلافه ، إن فيها « 3 » خيرا كثيرا ، نصوم ونتصدق ونواسي الفقراء . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إنما الخير ما أريد به وجه الله تعالى ، وعمل على ما أمر الله تعالى ، فأما ما أريد به الرياء والسمعة ومعاندة « 4 » رسول الله ، وإظهار الغنى له ، والتمالك والتشرف عليه ، فليس بخير ، بل هو الشر الخالص ، ووبال على صاحبه ، يعذبه الله به أشد العذاب . فقالوا له : يا محمد ، أنت تقول هذا ، ونحن نقول : بل ما ننفقه إلا لإبطال أمرك ، ودفع رسالتك « 5 » ، ولتفريق أصحابك عنك « 6 » ، وهو الجهاد الأعظم ، نأمل به من الله تعالى الثواب الأجل الأجسم ، فأقل أحوالنا أنا تساوينا في الدعاوى ، فأي فضل لك علينا ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا إخوة اليهود ، إن الدعاوى يتساوى فيها المحقون والمبطلون ، ولكن حجج الله ودلائله تفرق بينهم فتكشف عن تمويه المبطلين ، وتبين عن حقائق المحقين ، ورسول الله محمد لا يغتنم جهلكم ، ولا يكلفكم التسليم له بغير حجة ، ولكن يقيم عليكم حجة الله تعالى التي لا يمكنكم دفعها ، ولا تطيقون الامتناع من موجبها ، ولو ذهب محمد يريكم آية من عنده لشككتم ، وقلتم : إنه متكلف مصنوع محتال فيه ، معمول أو متواطأ عليه ، فإذا اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون ، لم يكن لكم أن تقولوا : معمول أو متواطأ عليه أو متأت بحيلة ومقدمات ، فما الذي تقترحون ؟ فهذا رب العالمين قد وعدني أن يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذير الكافرين منكم ، ويزيد في بصائر المؤمنين . قالوا : قد أنصفتنا - يا محمد - فإن وفيت بما وعدت من نفسك من الإنصاف ، وإلا فأنت أول راجع عن دعواك للنبوة ، وداخل في غمار « 7 » الأمة ، ومسلم لحكم التوراة لعجزك عما نقترحه عليك ، وظهور الباطل في دعواك « 8 » فيما ترومه من جهتك . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : الصدق ينبئ عنكم لا الوعيد « 9 » ، اقترحوا ما تقترحون ليقطع معاذيركم فيما

--> ( 1 ) الحشر 59 : 21 . ( 2 ) في المصدر : فغلَّظ . ( 3 ) في « ط » نسخة بدل : فينا . ( 4 ) في المصدر : أو معاندة . ( 5 ) في « ط » نسخة بدل : ورفع رئاستك . ( 6 ) في « ط » نسخة بدل : منك . ( 7 ) دخلت في غمار الناس - يضمّ ويفتح - أي في زحمتهم وكثرتهم . « الصحاح - غمر - 2 : 772 » . ( 8 ) في « س » : وظهور باطل دعواك . ( 9 ) مثل لفظه : ( الصدق ينبئ عنك لا الوعيد ) ، ومعناه : أنّ ما ينبئ عدوّك عنك أن تصدق في المحاربة وغيرها ، لا أن توعده ولا تنفّذ لما توعد به . « مجمع الأمثال 1 : 398 » .